أولاً: مدنية الدولة عند الإخوان:
- دولة القانون والمؤسسات.
- دولة يتم فيها تداول السلطة وترسيخ الديمقراطية.
- دولة المواطنة السليمة وليست الشعارات، بمعنى أن الجميع أمام القانون سواء، كما أنهم متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز؛ بسبب الدين أو اللون أو الجنس أو العرق، الفرق فقط يكون في المجهود والمواهب والقدرات.
- دولة الشعب فيها هو مصدر السلطات، بمعنى أنه هو الذي يصيغ الدستور، وهو الذي يدير الدولة، ويضع ضوابط العلاقة بين سلطاتها الثلاث (التشريعية- التنفيذية- الفضائية)، وهو الذي يعيِّن الأشخاص والهيئات التي يسند إليها سلطة اتخاذ القرار، وإدارة هذه الدولة، كما أن الحاكم فيها يستمد سلطته من الشعب.
- كما أنها دولة الفصل بين السلطات الثلاثة السابقة.
- وهي دولة لا تستبد الأغلبية من سكانها بالأقلية، كما لا تجور حرية الأقلية فيها على حقوق الأغلبية.
- كما أنها دولة تنموية تسعى للتقدم في جميع المجالات.
ثانيًا: المرجعية الإسلامية عن الإخوان:
- يدرك الإخوان ويفهمون أن للإسلام قواعد كلية وقيمًا عليا ومبادئ عامة ثابتة، مثل قيم العدل والحرية والأمانة والخلق الرفيع والمساواة والشورى… إلخ، كما يعرفون أن فيه أمورًا تفصيلية وفرعيات متغيرة ومساحة الفرعيات أكبر بكثير من الثوابت، وهي التي فيها الاجتهاد.
- حينما يتحدث الإخوان في مفهومهم للمرجعية يقصدون القواعد الكلية والمبادئ العامة والثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والأحوال.
- انطلاقًا مما سبق فإن المرجعية تعني استلهامها لبرامج ومشاريع لخدمة المجتمع واستدعاءها لحلِّ ما يعرض للمجتمع من مشكلات، وبناءً على المفاهيم السابقة أقول إن المرجعية الإسلامية تعني قيام العدل بين أفراد الشعب على مختلف معتقداتهم، وتعني إتقان العمل، وتعني مسئولية كلِّ راعٍ عن رعيته، وتعني لو عثر بعير في واحة سيوة أو في الوادي الجديد سينهض لها الحَاكِم، وتعني تطبيق الشورى فعلاً لا قولاً، وتعني مجتمعًا تسود فيه القيم العليا والمُثُل والأخلاق الفاضلة، مجتمعًا يكون الظلم فيه ممنوعًا ومحرمًا، والرشوة والقمار والخمور والمحسوبية والدعارة والشذوذ والخلاعة وأطفال الشوارع كلها غائبة، ويكون مجتمعًا ملتزمًا بإعالة كل مريض ومحتاج، ورفعة كل ذي علم وهمة. والمفاهيم السابقة هي ما نوَّه وأشار إليها الإخوان في برنامج حزبهم الجديد (الحرية والعدالة) عن مفهومهم للدولة.
وأكد د. العريان أن الإخوان يريدون دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية تحكمها، مشيرًا إلى أن الرسول الكريم أوَّل من أسَّس لدولة مدنية؛ حيث اشترك في حماية المدينة كل من عاش فيها من نصارى ويهود، والكل كان يحيى في مساواة.
الدكتور الكتاتني: نعني بعبارة "مرجعية إسلامية" مبادِئ الشريعة الإسلامية الموجودة في الدستور المصري. ونحن كإخوان مسلمين، ننادي بدولة مدنية ولا نقبل بالدولة الدِّينية، والمقصود بـ "المرجعية"، الإطار الذي نرجع إليه، تماما مثل الأحزاب الأخرى الموجودة على الساحة والتي تتّـخذ اليسارية أو العِـلمانية أو الليبرالية مرجعية لها. ولتوضح الأمر وإزالة المخاوف أقول: إن مرجعية الشريعة الإسلامية هي التي تحفظ لغيْـر المسلمين، وفي القلب منهم المسيحيين، حرية العقيدة والعبادة وبناء الكنائس.
كما أن هذه المرجعية تُـقر بحق غيْـر المسلمين في الاحتكام إلى شريعتهم، وذلك امتثالا لقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ..) [المائدة - 47]. وانطلاقًا من هذا الفهْـم، فإننا لا نُـلزمهم بشيء مما يتصل بالعبادة والزواج والطلاق والميراث.. إلخ الأحكام الدينية. وفي تقديري، أن إثارة هذه المخاوف لتفزيع الناس وتخويفهم من الإخوان، هو لتحقيق أهداف سياسية، وأنا أتعجّـب لأن هؤلاء لم يحرّكوا ساكِـنا عندما أعلن حزب الوفد مؤخرا في إعلان كبير بجريدة الوفد على أنه يؤمن بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع!
=================================================================
بواسطة بقلم: د. إبراهيم البيومي غانم 11/09/2011
يحتدم الجدل هذه الأيام بين تيارات الفكر السياسي المتنافسة في مجتمعاتنا العربية بين دعاة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، ودعاة الدولة المدنية ذات المرجعية العلمانية. فالأولون يرون أن الإسلام يفرض بناء نظام الدولة على أسس مدنية يكون الشعب فيها هو مصدر جميع السلطات، مع الفصل بين هذه السلطات وتحقيق التوازن فيما بينها، وأن يكون مبدأ الوحدة أعلى وأولى من جميع المنافسات السياسية، وأن يكون الحاكم وحكومته موضع المساءلة والمحاسبة وفق إجراءات واضحة وقانونية تكفل رقابة فعالة على كل من يتولى مسئولية السلطة العامة.
أما الآخرون وهم دعاة الدولة المدنية ذات المرجعية العلمانية، فيطرحون فكرتهم الأساسية من منظور "فصل الدين عن الدولة"، ويركزون جل اهتمامهم لنشر هذه الفكرة بدعوى أنها كفيلة بتحقيق "مدنية الدولة"، وأنها كفيلة أيضاً بأن يكون الشعب مصدر السلطات وأن تكون الحكومة مسئولة عن أعمالها.
وكنت أظن أن ما يقوله أنصار "مدنية الدولة بمرجعية علمانية" له نصيب من المنطق. ولكن متابعتي لمجمل ما يطرحونه أكد لي أن الحجتين السابقتين ليس لهما ظل من الحقيقة، وأنهم فقط يثيرون الخوف والفزع من أنصار مدنية الدولة ذات المرجعية الإسلامية لكونهم يمتلكون خطاباً سياسياً أكثر قرباً من أغلبية المواطنين، وأكثر تعبيراً عن آمالهم وطموحاتهم، في الوقت الذي يعاني فيه الخطاب السياسي لأنصار الدولة المدنية ذات المرجعية العلمانية من الانفصال عن نبض المواطنين ويعجز باستمرار عن استمالتهم إلى ما يدعوهم إليه.
قولهم إن المرجعية الإسلامية ستكون مدخلاً للدولة الدينية، هو قول مرسل، ولا يقوم عليه دليل واحد لا من أصول المرجعية الإسلامية، ولا من وقائع تاريخ السلطة في الاجتماع السياسي الإسلامي. ومع ذلك يظل أنصار مدنية الدولة ذات المرجعية العلمانية يرددون هذه التهمة، ويلقونها هكذا على عواهنها دون أن يدعموها بدليل يؤيدها، أو برهان يثبتها. أما التهمة الأخرى التي يرددونها فهي أن "المرجعية الإسلامية للدولة المدنية" تعبير عائم وغائم. يقولون هذا رغم وجود كثر من الاجتهادات القيمة التي بذلها مفكرو التيار الإسلامي في هذا الموضوع بالذات. وكنا قد أسهمنا ـ قبل سنوات ـ في شرح المقصود بالمرجعية الإسلامية للدولة المدنية من المنظور السياسي.
في يوم بتاريخ 4 مارس سنة 2007 ألقيت محاضرة بعنوان "نحو فهم جديد للمرجعية الإسلامية". وكان الفهم السائد لمعنى "المرجعية الإسلامية" آنذاك يتسم بالعمومية، ولا يخرج عن إطار التأكيد على ضرورة التمسك بمبادئ الشريعة ومقاصدها في تنظيم الشئون العامة للمجتمع والدولة. وجاءت تلك المحاضرة بدعوة من مؤسسي حزب الوسط الجديد -كان لا زال تحت التأسيس وقتها- وقد ألقيتها في جمع من المثقفين بالمركز الدولي للدراسات بالقاهرة. وكانت التساؤلات قد كثرت آنذاك بشأن قبول أو رفض تأسيس أحزاب سياسية مدنية بمرجعية إسلامية، وما المقصود تحديداً عندما نقول "حزب سياسي مدني بمرجعية إسلامية" أو "دولة مدنية بمرجعية إسلامية"؟. وكانت المناسبة
التي أثارت هذه التساؤلات هي التعديلات الدستورية التي كانت مطروحة للنقاش العام وتم الاستفتاء عليها في 25 مارس 2007.
كان الهدف الأساسي من محاضرتي هو تقديم مساهمة نظرية تؤدي إلى الانتقال من مستوى التعميم في استعمالنا لمصطلح "المرجعية الإسلامية" إلى مستوى التخصيص، ومن الإجمال إلى التفصيل. وبدأت محاضرتي تلك بتأصيل نظري لمعنى "المرجعية الإسلامية" وما مصادرها؟ وما وظائفها؟ ثم تكلمت عن عشرة مبادئ، اعتبرت أنها تشكل في مجموعها المعنى الذي نشير إليه عندما نتحدث عن "دولة مدنية" أو "حزب سياسي" بمرجعية إسلامية. وهذه المبادئ العشرة هي:
أولاً: الكرامة الإنسانية، وأساس هذا المبدأ هو قول الله تعالى" ولقد كرمنا بني آدم، " وتكريم الإنسان في الإسلام سابق على ارتباطه بأي نوع من الروابط الاجتماعية أو الدينية أو السياسية، أو غير ذلك من الروابط التي تؤطر الوجود الحياتي له، وهذا يعني أنه مكرم في ذاته ولذاته. ويعني أيضاً أن كل سياسة أو قرار أو مشروع أو ممارسة تنتهك شيئاً من كرامة الآدمي هي انتهاك لإسلامية الدولة، وإهدار لشرعية السلطة التي تقوم على شئونها بنفس القدر الذي تنتهك به الكرامة الآدمية. وقلنا إن "كرامة الآدمي " هي القلب النابض لفكرة المجتمع المدني التي أتى بها الإسلام لبناء دولته المدنية.
ثانياً: إعلاء قيمة العقل، والدعوة لتحريره من كل قيد يمنعه من التفكير والإبداع. وخاصة قيود الخرافات والتقليد والأمية. وإطلاق حرية التفكير باعتبار أن العقل هو النعمة الكبرى التي أنعم بها الله على بني الإنسان، وجعل التفكير فريضة من فرائضه، ونظر إلى المقصر في أدائها كالمقصر في أداء الصلاة، أو الصيام أو الزكاة، وغير ذلك من سائر فرائض الإسلام. وكل سياسة أو قانون أو ممارسة لا تضمن للعقل حريته فهي مناهضة لشرعية الدولة المدنية المؤسسة على مرجعية إسلامية.
ثالثاً: العمل بمبدأ الشورى، لمنع الاستبداد، وتجنب الاستئثار بالسلطة، وقطع الطريق على شهوة الانفراد بالرأي. ومن مستلزمات الشورى أن تتخذ السلطة كل ما من شأنه تشجيع المواطنين على المشاركة وإدانة السلبية والانعزال. ومن ذلك أيضاً عدم الاعتراف لفرد أو حزب أو جماعة أو لحكومة بالعصمة وأن العصمة للأمة ؛ أي لمجموع الشعب، وإرادته العامة التي يتم التعرف عليها من صناديق الاقتراع الحر، وبصفة دورية.
رابعاً: نقض السلطة الدينية، وتقويض أركانها، وتجفيف منابعها. والسلطة الدينية تعني فرض وصاية أو رقابة على ضمير الفرد أو محاسبته على إيمانه المستكن في قلبه. فالإسلام يعتبر أن أي تسلط على ضمير الفرد أو إيمانه أو عقيدته عملاً غير مشروع، وانتهاكاً لحريته الأساسية في الاختيار والاقتناع بما يريد. وعليه فإن وجود أي سلطة تدعي لذاتها حقاً ـ صغر أم كبرـ في التدخل في ضمير الفرد أو الرقابة عليه أو معاقبته على أساس معتقده فهي سلطة غير شرعية، وتدهم شرعية الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية من أساسها. ونحن نؤمن بأن الإسلام ليس فيه سلطة دينية إلا سلطة الوعظ والإرشاد العام فقط؛ وأسلوبها هو الحكمة والموعظة الحسنة، وبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
خامساً: أن كل إنسان معصوم الدم والعرض والمال بآدميته فقط، ولا يحل لأي كان أن ينال من ذلك شيئاً؛ إلا بجناية ارتكبها وفق قواعد القانون وبحكم قضائي عادل.
سادساً: إعلاء قيمة العمل، والعمل وحده ـ ذهنياً أو بدنياً ـ هو المصدر الوحيد للكسب. وهذا يقتضي تجريم كل مصدر آخر للكسب مثل الرشا، والسرقة ، والغصب، وأكل المال العام، والاستيلاء على ممتلكات الغير بالباطل.
سابعاً: إقرار العدل لإبطال الظلم. والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، دون زيادة أو نقصان؛ وضمن ذلك وجود قضاء حر ومستقل. وإن أي سياسة أو قانون أو ممارسة ينتج عنها ظلم تعتبر باطلة، وتنتقص من شرعية السلطة الحاكمة، وتنتهك إسلامية مرجعية الدولة المدنية.
ثامناً: إقرار التعددية الدينية ، وحماية المختلفين في العقيدة وحقهم في البقاء عليها، وتجريم أي عدوان يقع عليهم بسبب عقيدتهم. ومن باب أولى إقرار التعددية الفكرية والسياسية، واختلاف الآراء في تقدير المصلحة وصوغ السياسية الملائمة للمنفعة العامة، ورفع كفاءة المجتمع على مواجهة مشاكله وتحسين نوعية حياة أبنائه؛ فالمرجعية الإسلامية تقرر الاختلاف والتعدد، وتجعل الفيصل في اختيار رأي على آخر، وتفضيل سياسية أو برنامج على برنامج لرأي أصحاب المصلحة وهم جمهور الشعب.
تاسعاً: تجريم الإقصاء السياسي والاستبعاد الاجتماعي، ومن ثم عدم الاعتراف لفرد أو حزب أو جماعة أو فئة أو طائفة كائنة ما كانت بأنها تمتلك وحدها الحقيقة الكاملة، أو إنها معصومة من الخطأ، ولهذا فقد أمرت المرجعية الإسلامية بالشورى، وحضت على الاستشارة كطريق للمساعد على التوصل إلى الصواب النافع والمحقق للمصلحة.
عاشراً: بناء القوة وإدانة الضعف. فالقوة المادية والمعنوية، الصلبة والناعمة، مطلوبة لحماية استقلال الوطن وعزة الشعب وتحريره من أية هيمنة أجنبية تسلبه إرادته، أو تهين كرامته. والسلطة التي تفرط في القوة، وتتسبب في ضعف المجتمع والدولة تفق شرعيتها وفق معايير المرجعية الإسلامية للدولة المدنية.
تلك هي المبادئ العامة للمرجعية الإسلامية للدولة المدنية، ولما يتفرع عنها من أحزاب سياسية. وهي أيضاً معايير تمكننا من تقويم أدائها، وتقدير مدى اقترابها أو ابتعادها عن المعايير الإسلامية في إدارة شئون المجتمع والدولة.
19 يونيو 2011م
===========================
لدولة في الإسلام دولة مدنية حصرياً.. ولا دولة دينية في الإسلام
الخميس 28 ربيع الأول 1432 ـ الموافق 03 مارس 2011
بقلم الدكتور :- مصطفى شلبى شلبى محمد بطين
ثار الجدل وسيظل ثائراً حول الدولة المدنية والدولة الدينية، ويشتد اللغط حول طبيعة ومفهوم الدولة الإسلامية لاسيما في ظل ظروف وأجواء الثورات العربية التي نعيشها..
إن مصطلح “الدولة الدينية” تمت صياغته لإخافة الناس من الحركة الإسلامية، رغم أن التعبير باللغة العربية لا يعني سوى الدولة التي تستند لمرجعية الدين، في مقابل الدولة غير الدينية التي لا تستند لمرجعية الدين، ولكن تم إلحاق تعبير الدولة الدينية بمعنى الدولة الثيوقراطية، والتي تقوم على الحكم بالحق الإلهي المطلق، حيث يزعم الحاكم أنه يحكم نيابة عن الله، وأنه مفوض منه.
والدولة الدينية بهذا المعنى لا توجد أصلاً في الإسلام، وهي نموذج غريب على الخبرة التاريخية الإسلامية.
لذا أصبح مصطلح الدولة الدينية محملاً بمعاني لا تحتملها اللغة، ولا ترتبط بالمشروع الإسلامي، ولكن تم صياغة هذا المصطلح لتكوين صورة سلبية يتم إلصاقها بالمشروع الإسلامي، حتى يحاصر بمعان سلبية، وتدخل الحركات الإسلامية في دائرة الدفاع عن مشروعها.
وقصد أيضًا من هذا المصطلح اتهام مَن يدعو إلى دولة مدنية ذات مرجعية إسلاميه سوف تماثل الدولة القائمة على الحكم بالحق الإلهي أو التفويض الإلهي، حتى يتكون لدى الناس أو بعضهم أن تلك الدولة تمثل نوعًا من الاستبداد وهنا يظهر مصطلح الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، حيث يشرح هذا المصطلح طبيعة الدولة، وأنها مدنية وليست دينية، وتقوم على المرجعية الإسلامية.
فأصبح من الضروري تجنب القول إن الدولة الإسلامية دولة دينية ؛ بعد أن تم تشويه تعبير الدولة الدينية، رغم أن هذا التشويه ليس من صميم التعبير نفسه.، ويتم تصوير هؤلاء الداعين إلى المنهج الإسلامي على أنهم يريدون فرض الاستبداد باسم الدين.
وفي محاولة لإزالة هذا اللبس والغموض، أقول بوضوح إن الدولة في المفهوم الإسلامي هي دولة مدنية حصراً، فهي لا يمكن إلا أن تكون دولة مدنية.. ويصبح هذا الأمر أمراً فقهيا شديد الصراحة والوضوح عند أهل السنة تحديداً وهم المعنيون في هذا الجدل الثائر.. فالدولة المدنية هي الدولة التي يطرحها الفقه الإسلامي ولا يطرح سواها في المذاهب السنية.. دولة مدنية غير علمانية ولا دينية أو عسكرية أو بوليسية..
أنواع الدول
وقبل أن نأتي لتفصيل مدنية الدولة في الإسلام أوضح بداية أن أنواع الدول هي الدولة المدنية ويقابلها الدولة العسكرية التي يحكمها الجيش، وربما كان هذا المعنى ( دولة العسكر ) معنى اصطلاحي فقط إذ تتفرع من الدولة العسكرية أنواع منها الدولة البوليسية التي تعتمد على تحكم الشرطة وأجهزتها، أو الدولة الديكتاتورية، أو غيرها من الأشكال والتفريعات..
أما الدولة الدينية الثيوقراطية حكم رجال الدين ( أو الأكليروس ) فهي الدولة التي تمارس الحكم الإلهي وفيها يحكم الحاكم باسم الله ويكون نائباً عن الله في حكم المجتمع، ويكتسب الحاكم وقوانينه وممارساته قداسة مطلقة هي من قداسة الله تعالى ذاته، وهذا النوع من الدولة الدينية هو الذي كان سائداً في أوربا في العصور الوسطى وأدى إلى فكرة الثورة على اللاهوت والحكم الديني، بينما الدولة الدينية بهذه الصورة لم توجد في التاريخ العربي الإسلامي قديمه وحديثه ومعاصره، وتشكل دولة ولاية الفقيه عند الشيعة الإثنى عشرية نموذج آخر من نماذج الدولة يختلف عن دولة الأكليروس في عصور أوربا الوسطى، فحسب النموذج الإيراني الشيعي الاثنى عشري تقوم الدولة على مؤسسات منها رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان مع وجود سلطة روحية عليا هي سلطة الفقيه الذي يحمي التوجهات العليا للدولة، وهذا النموذج رغم اختلافه الكلي عن النموذج المرعب للدولة الدينية في أوربا، واقترابه بمؤسسات الدولة المستقلة من نموذج الدولة المدنية المعاصرة في جوانب كثيرة – وحديثنا هنا عن النظرية بعيداً عن الممارسات التطبيقية – فهو نموذج يقتصر على الفقه الشيعي ولا يوجد نظير له في الفقه السني، وعلى هذا يمكن اعتبار الدولة المدنية هي دولة القانون والمؤسسات في مقابل أي شكل من أشكال الدولة العسكرية والثيوقراطية.
تعريف الدولة المدنية
الدولة المدنية هي: دولة القانون هكذا هي عندنا ببساطة وبالتالي فهي ليست دولة رئيس الوزراء ولا دولة رئيس الجمهورية أو الملك، ونريد هنا التأكيد على الطبيعة الموضوعية لتلك الدولة التي تؤسسُ على قاعدة الفصل بين السلطات الثلاث، الفصل بمعناه الحقيقي وليس الاعتباري، والفصل هو المُكون الرئيسي لطبيعتها المادية وثقافتها المجتمعية.
وفق هذا التعريف وغيرها من التعريفات الكثيرة نجمل أسس وأركان الدولة المدنية في:
1 - بشرية الحاكم وعدم قداسته
2 - الشعب مصدر السلطات
3- حرية إبداء الرأي ( الشورى أو الديمقراطية بدرجاتها )
4 - الفصل بين السلطات
5 - التمثيل النيابي للشعب
6 - حق المواطنة..
ونلاحظ أننا بهذه الأسس الستة قد غطينا كافة التعريفات المتوفرة للدولة المدنية، ولم نحصل على تعريف واحد منها يغطي هذه الأركان الستة مجتمعة، ولذا فهذه الأسس تشمل كل ما يدخل في تعريف الدولة المدنية الحديثة.. حيث إن الصورةُ المتكاملةُ للدولةِ المدنيَّةِ كما تسبق للأذهان الآن و القائمةِ على مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ، والعقدِ القائمِ بينَ الأفرادِ وبينَ السلطةِ العُليَا التي وصلتْ لمنصبِهَا بالانتخابِ، وبأغلبيَّةِ الشعبِ، والحفاظِ على مبدأِ فصلِ السلطاتِ، وحقِّ الشعوبِ في الاعتراضِ والثورةِ، هذه الصورةُ المركبَّةُ الشائعة لَا تكادُ تُوجدُ مكتملةً كمفهومٍ للدولةِ المدنيَّةِ سوى عندَ جون لوك
وعندما نسقط مفهوم الدولة المدنية الحديثة بأسسها الستة هذه على الرؤية الإسلامية للدولة نستطيع أن نثبت أن الدولة في الفكر الإسلامي دولة مدنية تماما وفق المعايير التالية:
1 – لا قداسة للحاكم وهو لا يمثل خليفة لله تعالى على شعبه، وهو العنصر الأبرز والأخطر في تعريف دولة الإكليروس في عصور أوربا الوسطى..إن أعظم حكام المسلمين قداسة وتعظيما وعصمة هو النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه يقول الحق تبارك وتعالى مثبتا بشريته في أكثر من موضع من مواضع القرآن الكريم: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }آل عمران79 إن هذه الآية الكريمة تنسف فكرة الدولة الدينية وقداسة الحاكم النائب عن الله تعالى في الأرض من الأساس.. ويقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}الكهف110 ويقول عز وجل: { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً }الإسراء93وغير ذلك كثير من الآيات التي تثبت بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وتعاتبه أيضا على بعض اجتهاده مثل قوله تعالى{عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ }التوبة43 وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال67وغير ذلك من مواضع العتاب القرآني الأخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنتم أعلم بأمر دنياكم..أخرج مسلم (2363) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقِّحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصًا فمر بهم فقال ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم..وهذا كما قال العلماء في الأمور التي لا وحي فيها وإنما هي من اجتهاد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك دون كثير تعقيد وفلسفة، فسأله الحباب بن المنذر في غزوة بدر يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل.. ابن إسحاق – السيرة النبوية لابن هشام.. لقد ميَّز الحباب بن المنذر بين نوعين من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وهما الوحي، والاجتهاد، واعتبر الاجتهاد يصيب ويخطئ، وهذا ما أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل على رأيه ومشورته..
2 – الشعب مصدر السلطات، فهو الذي يختار الحاكم وهو الذي يعزله، وهذا واضح غاية الوضوح في قصة اختيار الخليفة أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فانعقدت له بيعة الناس – أي اختيارهم -ثم قال لهم في خطبته الأولى: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.. ومثل ذلك قال عمر بن الخطاب: فإن رأيتم في اعوجاجا فقوموني.. فالأمة أو الشعب هي التي تختار الحاكم، وهي التي تعزله إن رأت فيه اعوجاجا عن الصواب.
3 - حرية إبداء الرأي ( الشورى ): يقول الحق تبارك وتعالى:{ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159، كما قال: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }الشورى38 وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة أنه أهاب بالناس إلى الشورى فقال: أشيروا علي أيها الناس، وجاء في السنة ما يثبت أن الرسول ما ترك المشاورة قط، بل قال أبو هريرة: "ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله لأصحابه".
4 - الفصل بين السلطات.. أو استقلال السلطات، وأبرزه في الإسلام استقلال القضاء ومثال ذلك القاضي شريح أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي من أهل اليمن، وقد حكم في القضاء لصال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ